أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
144
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 112 إلى 115 ] فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 112 ) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ( 114 ) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 ) قوله : كَما أُمِرْتَ . الكاف في محل النصب ، إما على النعت لمصدر محذوف ، كما هو المشهور عند المعربين . قال الزمخشري : « أي استقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق ، غير عادل عنها » . وإمّا على الحال من ضمير ذلك المصدر ، واستفعل هنا للطلب ، كأنه قيل : اطلب الإقامة على الدين ، كما تقول : استغفر ، أي : اطلب الغفران . قوله : وَمَنْ تابَ مَعَكَ في « مَنْ » وجهان : أحدهما : أنه منصوب على المفعول معه ، كذا ذكره أبو البقاء ، ويصير المعنى : استقم مصاحبا لمن تاب مصاحبا لك ، وفي هذا المعنى نبو عن ظاهر اللفظ ، والثاني : أنه مرفوع ، فإنه نسق على المستتر في « استقم » ، وأعني الفصل بالجار عن تأكيده بضمير منفصل في صحبة العطف ، قد تقدم لك هذا البحث في قوله : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ « 1 » ، وأن الصحيح أنه من عطف الجمل لا من عطف المفردات ، ولذلك قدره الزمخشري : فاستقم أنت وليستقم من تاب . فقدر الرافع له فعلا لائقا يرفعه الظاهر . وقرأ العامة « بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » بالتاء جريا على الخطاب المتقدم ، وقرأ الأعمش وعيسى الثقفي بالياء للغيبة ، وهو التفات من خطاب إلى غيبة ، عكس ما تقدم في : « بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » * . قوله : وَلا تَرْكَنُوا . قرأ العامة بفتح التاء والكاف والماضي من هذا « ركن » بكسر العين ك « علم » وهذه هي الفصحى ، كذا قال الأزهري ، قال غيره : وهي لغة قريش . وقرأ أبو عمرو في رواية « تركنوا » بكسر حرف المضارعة ، وقد تقدم اتقان ذلك أول الموضوع ، وقد قرأ قتادة وطلحة والأشهب مثله . ورويت عن أبي عمرو « تركنوا » بضم العين وهو مضارع « ركن » بفتحها ك « قتل يقتل » ، وقال بعضهم : هو من التداخل يعني : أن من نطق « يركن » بكسر العين قال : يركن بضمها ، وكان من حقه أن يفتح فلما ضم علمنا أنه استغنى بلغة غيره في المضارع ، عن لغته ، وأما في هذه القراءة فلا ضرورة بنا إلى ادعاء التداخل ، بل ندعي أن من فتح الكاف أخذه من « ركن » بالكسرة ومن ضمها أخذه من « ركن » « بالفتح » . ولذلك قال الراغب : « والصحيح أن يقال : ركن يركن بالفتح ، وركن يركن بالكسر . « في الماضي مع الفتح في المضارع ، وبالفتح في الماضي مع الضم في المضارع » ، وشذّ أيضا قولهم : ركن يركن بالفتح فيهما ، وهو من التداخل ، فتحصل من هذا أنه يقال : « ركن » بكسر العين ، وهي اللغة العالية ، كما تقدم ، وركن بفتحها وهي لغة قيس وتميم ، زاد الكسائي : ونجد ، وفي المضارع ثلاث بالفتح والكسر والضم ، وقرأ ابن أبي عبلة ؛ « تركنوا »
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : ( 35 ) ، والأعراف ، آية : ( 19 ) .